الشيخ محمد النهاوندي
495
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
وَ الحال أنّا قَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وطردنا من أوطاننا ، وأغتربنا من أهلنا وَأَبْنائِنا وكلّ من هذه المصائب والبليّات أقوى المهيّجات إلى القتال . وقيل : إنّ جالوت كان رأس العمالقة وملكهم ، وهو من أولاد عمليق بن عاد ، وكان هو والعمالقة يسكنون ساحل بحر الرّوم بين مصر وفلسطين ، وظهروا على بني إسرائيل ، وأخذوا ديارهم ، وسبوا أولادهم ، وأسروا من أبناء ملوكهم أربعمائة وأربعين نفسا وضربوا عليهم الجزية وأخذوا توراتهم « 1 » . فَلَمَّا كُتِبَ وفرض عَلَيْهِمُ الْقِتالُ بعد دعاء النبيّ وبعث الملك ، آل أمرهم إلى أن تَوَلَّوْا وتخلّفوا عن القتال . قيل : لأنّهم علّلوا قتالهم بحظوظ النّفس ، فخذلوا وظلموا عند الامتحان إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر ، بعدد أصحاب بدر ، وأصحاب القائم عليه السّلام وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ على أنفسهم بالتّقاعد عن الجهاد . في اصطفاء طالوت للسّلطنة ثمّ بيّن اللّه تعالى تفضيل بعث الملك ، وتولّي القوم بقوله : وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ بعد مراجعة اللّه ووحيه : إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً فأطيعوه وقاتلوا عدوّكم معه . روي أنّه عليه السّلام لمّا دعا ربّه أن يجعل لهم ملكا ، أتى بعصا يقاس بها من يملك عليهم ، فلم يساوها إلّا طالوت « 2 » . قيل : إنّ اشموئل « 3 » جاء بعصا وقرن فيه دهن القدس ، قال : إنّ صاحبكم الذي يكون ملكا طوله طول هذه العصا ، ونقل أنّه ضلّت حمير لأبي طالوت ، فأرسله أبوه في طلبها ، فمرّ ببيت إشموئل ، فدخل عليه حتى يسأله عن الحمير ، فقاسه طالوت بالعصا ، فكان على طولها ، فقال لطالوت : قرّب رأسك فقرّبه ، فدهنه بدهن القدس ، ثمّ قال له : أنت ملك بني إسرائيل الذي أمرني اللّه أن املّكه عليهم ، قال : بأيّ آية ؟ قال : بآية أنّك ترجع وقد وجد أبوك حميره ، فكان كذلك « 4 » . ثمّ أخبر إشموئل بني إسرائيل بنصب طالوت للسلطنة . وقيل : لمّا كانت السلطنة في بيت يهودا ، وكان طالوت من سبط بنيامين ، وكان سبط بنيامين قليلا مستحقرا بين بني إسرائيل . قالُوا متعجّبين من قول النبيّ ، ومنكرين له : أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ والسلطنة عَلَيْنا وكيف يمكن أن يكون ذلك وَنَحْنُ لشرافة بيوتنا أَحَقُّ وأولى بِالْمُلْكِ والسّلطنة مِنْهُ فتقديم
--> ( 1 ) . تفسير أبي السعود 1 : 239 . ( 2 ) . تفسير أبي السعود 1 : 240 . ( 3 ) . في النسخة : الشموئل . ( 4 ) . تفسير روح البيان 1 : 383 .